حكاية كريم بدوي في 790 يوم...من مفردات اللغة إلى مفردات البترول
أحيانًا لا تحتاج إلى الأرقام حتى تقيس المسافة التي قطعها إنسان في رحلة ما، ولا إلى التقارير حتى تعرف مقدار ما تغيّر فيه، يكفي أن تجلس إليه بعد عامين، تسمعه يتحدث وتقارن بين أول الطريق وما آل إليه الحال.
وهذا تحديدًا ما شعرت به وأنا أجلس مستمعًا إلى المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، خلال لقائه بصحفيي البترول، ذلك اللقاء الذي أشرف على ترتيبه وتنسيقه الأخ والصديق محمد داود، مسئول الإعلام بوزارة البترول، وحضره من قيادات الوزارة عدد محدود، في تعبير على أن محرري البترول أصحاب البيت .
المهم، أنه كان هناك شيء مختلف لفت انتباهي، ربما قبل الأرقام وقبل الحديث عن الإنتاج والاستكشاف والتعدين والبتروكيماويات والاستثمارات والمستحقات والتحديات....كانت اللغة.
أتذكر كريم بدوي عندما جاء إلى وزارة البترول، رجل قضى سنوات طويلة من حياته خارج مصر، وتربى وعاش في الولايات المتحدة، وكانت الإنجليزية حاضرة بقوة في تكوينه العملي والحياتي، حتى إن العربية في حديثه كانت أحيانًا متكسرة، تتوقف أمام بعض المفردات، وتستعين من حين إلى آخر بكلمة إنجليزية لإنقاذ المعنى.
ولم يكن في ذلك عيب ولا نقيصة، بل كان أمرًا طبيعيًا لرجل عاش جُل حياته العملية والشخصية والأسرية في بيئة مختلفة، لكن ما استوقفني في اللقاء الأخير أن الرجل الذي كان يبحث عن بعض الكلمات العربية قبل عامين، أصبح اليوم يمتلك ناصيتها بدرجة لافتة للإنتباه، على الأقل بالنسبة لي كشخص محب للغة والأدب .
الوزير كان اليوم رائعاً، يتحدث، ويشرح، ويناقش، وينتقل من فكرة إلى أخرى، وتأتي الكلمات العربية أكثر انسيابًا، والجمل أكثر اكتمالًا، والمفردات أكثر حضورًا، وهنا لم أتعامل مع المسألة باعتبارها مجرد تطور لغوي، فاللغة في أحيان كثيرة مرآة للاندماج، ومن يتعلم لغة المكان، لا يتعلم كلماتها فقط، وإنما يبدأ تدريجيًا في فهم ناسها وطبيعتها وإيقاعها وتفاصيلها الصغيرة.
وأظن أن رحلة كريم بدوي مع العربية تشبه، إلى حد بعيد، رحلته مع قطاع البترول نفسه، فكما بدأ يتقن مفردات العربية، بدأ يتقن مفردات القطاع.
عرف الهيئة، وإيجاس، وإيكم، وجنوب الوادي، والقوابض والشركات المشتركة والعامة والاستثمارية، وعرف معنى أن يكون هناك شريك أجنبي ينتظر مستحقاته، وحقل يحتاج إلى تنمية، وبئر تتراجع، وأخرى تعطي الأمل، ومصفاة لها حساباتها، وشبكة غاز لها تعقيداتها، وعرف، وهذا هو الأهم، أن قطاع البترول ليس آبار وخطوط ومصانع فقط.
إنه بشر...عمال ومهندسون وجيولوجيون وكيميائيون ومحاسبون وإداريون، لكل منهم لغته وهمومه وانتظاراته وطريقته في النظر إلى الوزارة وقياداتها، في ذلك اللقاء كنت أراقب أكثر مما أسأل.
وربما بحكم سنوات طويلة قضيتها في صحافة البترول، تعلمت أن أبحث أحيانًا عما وراء الإجابة، لا عن الإجابة وحدها، كانت أمامي صورة مختلفة لرجل دخل الوزارة قادمًا من مدرسة عمل دولية، ثم أخذته الأيام سريعًا إلى مدرسة أخرى شديدة الخصوصية والتعقيد، اسمها قطاع البترول المصري، مدرسة لها تاريخها، ولها رجالاتها، ولها دهاليزها أيضًا، ولها مفردات لا تجدها في القواميس، وهذه المفردات تحديدًا هي الأصعب.
فليس صعبًا أن تحفظ معنى الإنتاج أو الاستكشاف أو التكرير، لكن الأصعب أن تعرف ماذا تعني هذه الكلمات عندما تتحول إلى قرار، وكيف تؤثر في الموازنة والدولة والمواطن والعامل والشريك الأجنبي في الوقت نفسه، ولعل هذا هو الفارق بين أن تعرف القطاع، وأن تفهمه.
وبعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع سياسات الوزير وقراراته واختياراته — وهذا حق أصيل لكل صحفي ومتابع — فإن ما يمكن رصده أن العامين لم يمرا على كريم بدوي مرورًا سهل وسريع، لقد ترك القطاع بصمته عليه، مثلما حاول هو أن يترك بصمته على القطاع.
وأنا أستمع إليه في لقاء صحفيي البترول، تذكرت بداياته، وفكرت في تلك المفارقة الجميلة: الرجل الذي جاء يبحث أحيانًا عن المفردة العربية، أصبح يتحدث بمفردات البترول المصري، وهذه ليست حكاية لغة فحسب، إنها حكاية اندماج، لأن إتقان العربية احتاج منه إلى أن يسمع كثيرًا ويتحدث كثيرًا ويعيش وسط الناس، وإتقان لغة البترول احتاج أيضًا إلى أن ينزل إلى المواقع، ويجلس مع القيادات والعاملين والشركاء، ويستمع إلى المشكلات، ويرى بعينه كيف تتحول الدراسات إلى آبار، وكيف تتحول القرارات إلى إنتاج، وكيف يمكن لرقم صغير في تقرير أن تكون خلفه قصة كبيرة على الأرض.
عامان قد لا يكونان زمنًا طويلًا في عمر وزارة بحجم وزارة البترول، لكنهما كانا كافيين لأن تتغير اللغة..لغة اللسان.. ولغة المكان.
وبين العربية التي أصبحت أكثر طلاقة، والبترول الذي أصبحت مفرداته أكثر حضورًا في حديثه، تبدو رحلة كريم بدوي داخل الوزارة وكأنها رحلة تعلم مزدوجة، تعلم فيها كيف يتحدث لغة الناس، وكيف يقرأ لغة القطاع...ويبقى الحكم على النتائج والسياسات والقرارات للتجربة وللوقت وللأرقام.
أما ما رأيته أنا في ذلك اللقاء، كصحفي أمضى سنوات بين دهاليز هذا القطاع، فهو مشهد بسيط لكنه شديد الدلالة: كريم بدوي لم يعد يحتاج إلى مترجم بينه وبين اللغة العربية.. ويبدو أنه قطع أيضًا مسافة كبيرة حتى لا يحتاج إلى مترجم بينه وبين قطاع البترول.
#المستقبل_البترولي