السبت 07 فبراير 2026 الموافق 19 شعبان 1447

مجرد رأي: العودة المرتقبة لمعتز عاطف داخل الديوان

792
سقراط
سقراط

ربما كانت الأزمة الكبرى في تجربة المهندس معتز عاطف داخل ديوان عام وزارة البترول، هي عدم تحسّبه المبكر، أو حرصه الكافي، على أن تكون له أذرعٌ تدافع عنه وقت الحاجة. لذلك، حين تقلّد عددًا من المناصب الحسّاسة واصطدم ببعض مراكز النفوذ، فوجئ بعزلة شبه كاملة، حتى من أولئك الذين كان له فضل عليهم؛ باعوه عند أقرب محطة، ولم يتفوّه أحدهم بكلمة دفاع واحدة.

قبل أكثر من عامٍ ونصف، تولّى المهندس كريم بدوي منصب وزير البترول، وبعدها بفترة قصيرة استعان بالمهندس معتز عاطف، ليجمع بين خمسة مناصب دفعة واحدة: مديرًا للمكتب الفني، مديرًا لإدارة الإعلام، متحدثًا رسميًا باسم الوزارة، مديرًا لمكتب الوزير، ورئيسًا لتحرير مجلة البترول.
خمسة مناصب كفيلة وحدها بإرهاق أي شخص جسديًا وذهنيًا وعمليًا.

وكان أخطر هذه الملفات – على معتز عاطف وعلى أي مسؤول يجلس في هذا المقعد – هو ملف إدارة الإعلام. فداخل قطاع البترول، يدرك الوعي الجمعي جيدًا أن قوة معظم صحفيي القطاع لا تكمن في المنصات التي يديرونها أو يملكونها، بل في المعرفة المتراكمة داخل ذاكرتهم عن المنظومة بأكملها: عمالًا وقيادات، من أصغر موقع إلى أعلى منصب. ولا ضير – في عرف مراكز القوى – إن أُغلقت منصة هنا أو هناك، فسرعان ما يخرج الصحفي كاتبًا حرًا، ليقرأ له الجميع، وليعرفوا عنه وعن غيره أكثر مما كانوا يعرفون.

ربما أخطأ معتز عاطف – دون قصد – في تعامله مع ملف الإعلام، ولم يُدرك القيمة الحقيقية لكل فرد داخله. ويرجع ذلك، في الأغلب، إلى خلفيته الأجنبية التي لا تُجيد فن التعامل مع الأقلام والشاشات بقدر ما تُجيد التعامل مع الزيت والغاز والأوراق والملفات. وربما كان هذا العامل أحد الأسباب القوية التي انتهت بخروجه من ديوان الوزارة بعد أحد عشر شهرًا فقط.

غير أن المفارقة – التي تُحسب له وتُؤخذ عليه في آنٍ واحد – أنه خرج من الوزارة ليتولى رئاسة أكبر شركة إنتاج في مصر. وهي شركة خالدة للبترول .

ولا يمكن لأي منصف أن يُنكر شطارة وديناميكية معتز عاطف. والدليل حاضر بقوة في تجربته مع شركة خالدة، أولى تجاربه في إدارة شركة مصرية. هناك حقق نجاحًا كيفيًا غير مسبوق، لأنه عمل على ملفات متعددة في وقت واحد، وبعقلية منظمة، فخرج بمنتج أعاد للشركة قوتها، وللإنتاج رونقه، وللعامل كرامته.

شخصية معتز عاطف لم تكن عصيّة على الفهم منذ البداية. هو رجل يتمتع بالطيبة، وحسن الخلق، والودّ، ويُجيد فن الإنجاز. وربما كان تغافله لجوانب التواصل والاجتماعيات داخل القطاع هو حجر العثرة الحقيقي في طريقه. لكن، في المحصلة النهائية، نحن أمام شخصية فاخرة، طموحة، قوية، وتريد بصدق أن تُقدّم شيئًا.

هذا التحليل كتبته سابقًا، حين كان معتز عاطف لا يزال داخل ديوان “البيت الأبيض” – وزارة البترول – لإدراكي الكامل بطبيعة رجل شاب أراد أن يُنجز، لكنه أخطأ في موضع ما. ومن هنا لم تكن المطالبات ببقائه مديرًا للمكتب الفني أو مديرًا لمكتب الوزير مطالبات عبثية، بل كانت – ولا تزال – مطالبات منطقية تُدرك قدر الرجل وما يمكن أن يقدّمه.

قبل خروج معتز عاطف من ديوان الوزارة، خرجت شخصيات عديدة؛ بعضها نال تكريمًا بمناصب أفضل، مثل المهندس حسنين محمد الذي عُيّن رئيسًا لشركة ميدتاب، والمهندس علاء حجر الذي تقلّد منصب نائب داخل إيجاس، والمهندس محمود ناجي الذي ترأس شركة أسيوط لتكرير البترول. وكما طال قرار التكريم عددًا من القيادات، طال قرار الإطاحة عددًا آخر، خاصة ممن تجاوزوا السن، حيث نالوا تكريمًا شكليًا، ثم لملم كلٌّ أوراقه وغادر القطاع إلى بيته أو إلى مكان آخر.

لكن تبقى محطة محمود ناجي هي الأهم. فقد كتبتُ سابقًا عدة مقالات عن شطارته وقوته، وعن كونه كان – ولا يزال – خطأً فادحًا إبعاده عن الوزارة بأي صورة. فهو القيادة الشابة الوحيدة التي عملت في كل فروع القطاع، وداس بقدمه على كل شبر من مواقعه، وكان الأجدر به البقاء إلى جوار الوزير، لينقل خبرة حقيقية اكتسبها مع قيادات كبرى خرجت من القطاع، ومع وزير سابق هو المهندس طارق الملا.

ومن هنا، فإن عودة محمود ناجي تفتح الباب – من جديد – لعودة آخرين، لعل أبرزهم معتز عاطف، لتولي منصب غاية في الأهمية داخل ديوان الوزارة؛ منصب يستطيع من خلاله التعامل مع العامة والخاصة، وجذب الجميع إلى جوار الوزير لا إبعادهم عنه. وأعتقد أن فترة رئاسته لشركة خالدة صقلت تجربته الاجتماعية أكثر مما كانت عليه.

أنا هنا لا أتحدث عن كفاءة عملية، فقد قيل عنها الكثير، وأدوات معتز عاطف تؤهله ليكون قائدًا شاطرًا ومميزًا، لكن التجربة الاجتماعية تظل هي الفيصل الحقيقي عندما تطل برأسها، وتصبح الحكم بين القيادة والناس.

لا أحد ينكر عظمة وقوة كل فرد يعمل داخل ديوان عام وزارة البترول، لكن المنظومة – بلا شك – بحاجة إلى مزيد من التواصل مع الجبهة الداخلية. وعندما أتحدث عن الجبهة الداخلية، فأنا أعني القيادات وكل الأطراف التي تتعامل مع الوزارة، بشكل مباشر أو غير مباشر.

وأرى أن التجربة السابقة للمهندس معتز عاطف قد تكون حاضرة اليوم بشكلٍ مختلف، وجنبًا إلى جنب مع محمود ناجي، يمكن لوزارة البترول أن تستعيد جزءًا من هويتها القديمة، تلك التي عرفناها حين كان يعمل داخلها: عبدالله غراب، أسامه كمال، شريف إسماعيل، عبدالعليم طه، محمود نظيم، رفعت خفاجة، وهبة عيسى، حمدي عبدالعزيز، مؤنس الشحات، إبراهيم خطاب، وغيرهم عشرات الأسماء التي ضجّت بهم أروقة الوزارة، ليظل حبل الوصل قويًا ومتينًا.

#سقراط




تم نسخ الرابط