مجرد رأي: طارق وشحاته ورشاد...فصل جديد في تاريخ التكرير
ربما هناك أعمال في قطاع البترول، لا تحسب بحجم الإنتاج أو الأرقام والأرباح، بل تقاس بقدرة هذه الكيانات على تصعيد أبنائها إلى أعلى درجات القيادة، ومنح الفرصة لمن يعرفون التفاصيل من الداخل، لأنهم كانوا يوماً ملح الأرض الحقيقي .
وعلى مدار الشهور الماضية، ومع قرار المهندس كريم بدوي الدفع بقيادات جديدة لثلاث من أهم قلاع التكرير في مصر — القاهرة لتكرير البترول، والنصر للبترول، والسويس لتصنيع البترول — كان السؤال الأهم: هل ينجح أبناء هذه الكيانات في قيادة هذه الشركات؟، خاصةً وأن منها ما كل مهلهل، ومنها ما عانى كثيراً في ظل قيادات ربما لم يوافقها التوفيق لأنها لم تخلص النية، ومنها ما حقق إنجازات فيعهد من سبقوا وجاء بعدهم من آمن بالدور ويكمل عليه، لكن الإجابة بدأت تتشكل على الأرض بهدوء.
لا يمكن الحديث عن قطاع البترول دون التوقف أمام معامل التكرير، فهي الحلقة التي تحول الخام إلى منتجات تمس حياة المواطن يوميًا، من الوقود إلى الزيوت إلى المنتجات البترولية المختلفة، وفي هذا الإطار، تمثل شركات القاهرة لتكرير البترول النصر للبترول السويس لتصنيع البترول، أعمدة رئيسية في منظومة التكرير المصرية، ليس فقط بحكم التاريخ، ولكن بحكم الموقع والإنتاج والدور الاستراتيجي في تأمين احتياجات السوق.
ما يميز التجربة الحالية ليس فقط تغيير القيادات، بل طبيعة هذه القيادات نفسها.
فالكيميائي طارق عبداللطيف، والمهندس رشاد نظيم، والمهندس محمد شحاتة…
لم يأتوا من خارج المنظومة، بل هم أبناء هذه المدارس العريقة، يعرفون صوت المعامل، وضغط التشغيل، وتفاصيل الأعطال، ويُدركون أن النجاح في التكرير لا يتحقق بالشعارات، بل بالانضباط اليومي والعمل المتواصل.
ورغم أن الثلاثة يخوضون تجربة رئاسة الشركات لأول مرة، فإن المؤشرات الأولية تعكس، تحسنًا في انتظام التشغيل، وضبط نسبي في الأداء، وحضور واضح وتفاعل مباشر مع العاملين، وهي عناصر تعيد الروح إلى بيئة التكرير، التي تحتاج دائمًا إلى قيادة قريبة من الإنتاج.
والسؤال: لماذا هذه التجربة مهمة؟، والإجابة ببساطة، لأنها تعيد ترسيخ مبدأ مهم داخل القطاع وهو: أفضل من يقود الصناعة هو من نشأ فيها، لذلك، فإنه حين يصل أبناء الكيانات إلى قمة الهرم، تتحقق عدة مكاسب، منها، الحفاظ على الخبرات المتراكمة، وتقليل فجوة القرار بين الإدارة والتنفيذ، وتعزيز الانتماء، وبناء جيل جديد من القيادات المؤهلة
ما يحدث الآن داخل شركات التكرير الثلاث ليس سوى بداية.
وإذا كانت الأحاديث تتزايد حول حركة تغييرات أوسع داخل قطاع التكرير، وهو ما يضع على عاتق الهيئة العامة للبترول مسؤولية استمرار حسن الاختيار، والتنسيق مع الوزارة لضخ دماء جديدة بنفس المعايير.
والرسالة الأهم هي، النجاح لا يجب أن يكون استثناء، بل لابد وأن يكون قاعدة.
أرى أن تجربة طارق ورشاد وشحاتة ليست مجرد حركة قيادات، بل اختبار حقيقي لفكرة تصعيد الكفاءات من داخل المنظومة، وإذا استمر الإختيار بنفس النهج والدعم، فقد نشهد خلال الفترة المقبلة قطاع تكرير أكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات سوق الطاقة، لأن المعامل التي تخرج الوقود، قادرة أيضًا على صناعة القادة.
🟥 #المستقبل_البترولي