محمد الباجوري…لماذا لا يترأس هيئة الثروة المعدنية ؟
في كل مرحلة فارقة من تاريخ القطاع، يظهر رجال لا يطلبون الضوء، لكنهم يصنعون النحومية من بعيد. رجال يكتفون بأن يكونوا في قلب الحدث، وليس في صدر المشهد، ومن بين هؤلاء يبرز اسم الدكتور محمد الباجوري، مسؤول الشؤون القانونية بوزارة البترول، والمشرف على عدد من الإدارات المركزية، ومستشار الوزير للثروة المعدنية.
محمد الباجوري ليس مجرد مسؤول قانوني يؤدي دورًا تقليديًا في مراجعة النصوص وصياغة المواد، بل كان أحد العقول الرئيسية التي أسهمت في خروج قانون هيئة الثروة المعدنية الجديد إلى النور، ذلك القانون الذي نقل هيئة الثروة المعدنية من كونها هيئة خدمية تقليدية إلى كيان استثماري قادر على جذب رؤوس الأموال وتعظيم الاستفادة من مقدرات الدولة التعدينية.
الباجوري كان ولايزال شاهدًا على توقيع العديد من الاتفاقيات التعدينية، حاضرًا في كواليس التفاوض، ممسكًا بخيوط الصياغة الدقيقة التي توازن بين مصلحة الدولة وجذب الاستثمار. ولهذا فهو لم يكن مجرد مرافق في جولات الوزير الخارجية، بل كان العقل القانوني المصاحب، والرجل الذي يُعوَّل عليه في أدق التفاصيل، وهو الوحيد بين وكلاء الوزارة على مدار تاريخها الذي رافق الوزير في جولاته الخارجية، لما يتمتع به من حنكة وقدرة على قراءة المشهد وصياغة الاتفاقيات بلغة تحمي الحقوق وتفتح الآفاق.
يحظى محمد الباجوري بحب واحترام واسع داخل قطاع البترول، ليس فقط لكفاءته، بل لالتزامه، فهو الرجل الذي نذر نفسه لخدمة القطاع، واختار أن يبقى حيث يمكنه أن يُحدث الفرق، القليلون يعلمون أن عروضًا مغرية انهالت عليه من شركات ومكاتب دولية كبرى، بعوائد تُقدَّر بعشرات بل مئات الآلاف من الدولارات، لكنه رفض. آثر أن يبقى في موقعه، يخدم بلده وقطاعه، مؤمنًا بأن القيمة الحقيقية لا تُقاس فقط بالأرقام.
وربما هنا تتقاطع مسيرته مع مسيرة الوزير المهندس كريم بدوي، الذي ترك هو الآخر موقعًا دوليًا مرموقًا، وضحّى بملايين الدولارات ليخوض تحدي الخدمة العامة، كلاهما اختار الوطن على المكاسب، والعمل العام على الرفاهية الخاصة.
كل ذلك يفتح باب السؤال المشروع: لماذا لا يتولى محمد الباجوري رئاسة هيئة الثروة المعدنية؟، أليس هو الأدرى بتفاصيل قانونها الجديد؟ أليس هو الأقدر على إدارة ملفاتها المعقدة، وقد كان ولايزال شريكًا في صياغة إطارها التشريعي؟
أليس هو الرجل الذي جمع بين القانون والرؤية والاستعداد للتضحية؟
إن رئاسة هيئة بحجم وأهمية الثروة المعدنية تحتاج إلى قائد يفهم النص وروحه، يعرف المستثمر وهواجسه، ويدرك في الوقت ذاته اعتبارات الدولة وأولوياتها، تحتاج إلى رجل قوي، لا بالصوت العالي، بل بالثبات، وبالقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.
بلا شك، فإن محمد الباجوري لم يسعَ يومًا إلى منصب، لكن المناصب الكبرى أحيانًا تبحث عمن يستحقها، وبين الكفاءة والتجربة والالتزام، تتوافر في الرجل مقومات قيادة مرحلة جديدة من العمل التعديني.
ويبقى السؤال معلقًا في فضاء القطاع: إذا كان الرجل الذي صاغ الإطار القانوني للهيئة، وشارك في بناء مسارها الاستثماري، ورفض إغراءات الخارج ليبقى في خدمة الداخل… فمَن أولى منه بقيادتها؟
#المستقبل_البترولي